محمد متولي الشعراوي
10406
تفسير الشعراوي
إذن : فالإنسان هو الأكرم ، لكن تكوينه وطبيعته لا تصلح لهذه الرؤية ، وليس لديه الاستعداد لتلقّي الأنوار الإلهية ؛ ذلك لأن الله تعالى خلقه للأرض . أما في الآخرة فالأمر مختلف ؛ لذلك سيُعدِّل الله هذا الخلق بحيث تتغير حقائقه ويمكنه أن يرى ، وإذا كان موسى عليه السلام قد صُعِق لرؤية المتجلَّى عليه وهو الجبل ، فكيف به إذا رأى المتجلِّي عَزَّ وَجَلَّ ؟ لذلك ، كان من نعمة الله تعالى على عباده في الآخرة : { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } [ القيامة : 2223 ] . وقال عن الكفار : { كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } [ المطففين : 15 ] : إذن : ما يُميِّز المؤمنين عن الكافرين أنهم لا يُحجبون عن رؤية ربهم عَزَّ وَجَلَّ بعد أنْ تغيَّر تكوينهم الأخروي ، فأصبحوا قادرين على رؤية ما لم يَرَوْه في الدنيا . وإذا كان البشر الآن بتقدّم العلم يصنعون لضعاف البصر ما يُزِيد من بصرهم ورؤيتهم ، فلماذا نستبعد هذا بالنسبة لله تعالى ؟ لذلك ، تجد المسرفين على أنفسهم يجادلون بما يريحهم ، فتراهم يُنكِرون البعث ، ويُبعِدون هذه الفكرة عن أنفسهم ؛ لأنهم يعلمون سوء عاقبتهم إنْ أيقنُوا بالبعث واعترفوا به . ومن المسرفين على أنفسهم حتى مؤمنون بإله ، يقول أحدهم : ما دام أن الله تعالى قدَّر عليَّ المعصية ، فلماذا يُحاسبني عليها ؟ ونعجب لأنهم لم يذكروا المقابل ولم يقولوا : ما دام قد قدَّر علينا الطاعة ، فلماذا يثيبنا عليها ؟ إذن : لم يقفوا الوقفة العقلية السليمة ؛ لأن الأولى ستجرُّ عليهم الشر فذكروها ، أما الأخرى فخير يُسَاق إليهم ؛ لذلك غفلوا عن ذِكْرها .